محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
64
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
دلّ اللفظ عليها من معانيها ، ولا يجوز حملها على الملائكة أو على أشخاص موصوفين بها إلّا بنصّ وتوقيف ؛ ومن ذلك القبيل الحروف في أوائل السور على مذهب من فسّرها ؛ فلا يجوز تفسيرها إلّا بخبر أو أثر . وكذلك أسباب النزول ، وتخصيص العمومات ، وتعميم الخصوصات ، وحمل المجملات على المقيّدات ، وصرف الألفاظ المشتركة إلى إحدى الجهات ؛ فلا يثبت ذلك كلّه إلّا بالأخبار الصحيحة ؛ وأمّا ما يمكن تفسيره فهو ظواهر الكتاب ونصوصه ، وما لا يحتمل اللفظ غيره ؛ فلو استعمل المفسّر عقله ونظر فيه ، علم أنّه ما أخلّ بمعنى اللفظ لغة ، ولا خالف الحسّ والعقل حقيقة ؛ فليس ذلك من جملة تفسير القرآن بالرأي والقياس . وكذلك تأويل ما يوهم ظاهره التشبيه أو التعطيل أو الجبر أو القدر ؛ فذلك بنظر العقل وقياس اللغة جائز ؛ فإنّه يعلم قطعا أنّ التشبيه والتعطيل باطل ولا يجوز حمل كلمات القرآن على باطل ؛ فلا بدّ إذا من تأويل ؛ وشرطه أن لا يعدل عن مقتضى اللغة والعرف فيها ، ولا يميل إلى مذهب ومقالة ، والتعصّب لها ، بل يجري على الجادة ، ويراعي الوسط ، ويتجنّب بنيّات الطرق « 1 » 305 ، ولا يركن إلى تقليد الآباء ، ويألف « 2 » مذاهب تربية الأبناء ، ولا يقول : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا « 3 » عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ أو مُقْتَدُونَ . ورعاية هذه الشروط في تفسير الآيات المتشابهة وتأويلها عسر جدّا ، ولا يكاد يفي بذلك أكثر المفسّرين ؛ فإنّك تجد التفاسير كلّها مبنية على المذاهب المحلّلة ؛ فالقدري يفسّر آيات القدر على ما يوافق مذهبه ؛ والأشعري على ما يوافق مذهبه ، والمشبّهي يتمسّك بالظاهر ويقول : الظاهر معي ، والتأويل مظنون ، وإنّي لا أترك ظاهر اللفظ بأمر مظنون ، وغايتي أن أقول : لا أعدل عن الظاهر ، ولا أعوّل ( 25 ب ) على التأويل ؛ والمعطّل يترك الظاهر ، ويتأوّل العبادات كلّها على رجال ، والمحظورات على رجال ، والدين معرفة ذلك الرجل ؛ وقد تبرّأ منهم الصادق جعفر بن محمّد - عليه السلام - ؛ ومن الواقفة من يقول : إنّي أقف وأكل « 4 » علمه إلى اللّه ، فأقول : كلّ من عند اللّه ، وذلك هو طريق السلامة ، وهو كما قال بعض
--> ( 1 ) . س : الطرف . ( 2 ) . س : الف . ( 3 ) . س : ابانا . ( 4 ) . س : أكمل .